إنجيل يوحنا اصحاح ٢- نَشْرُ نار الله

بقلم: 
إركّي كوسكِنيمي، دكتور في اللاهوت
ترجمة وتدقيق: 
أ. د. حسيب شحادة

عُرس قانا الجليل ٢: ١-١٢

قصّة الأعجوبة الأولى التي يرويها يوحنّاغيرُ واردة في الأناجيل الأخرى. تدور أحداثُها في مدينة الجليل، وموقعها غيرُ معروف لنا. تظهَر الأحداثُ للعِيان خلالَ حفل زفاف شرق أوسطيّ، تضمّن وليمةً فاخرة. الخمر نفذت، ولكنّ يسوعَ يُنقذ زِفاف العروسين الشابّين عن طريق تحويل ستمائة لتر من الماء، إلى نبيذ ممتاز. ويصف يوحنّا كيف أنّ التلاميذ شاهدوا مجدَ يسوعَ وآمنوا به.

ماذا تُعلّمنا هذه القصة؟ للخمر في العهد القديم معنىً رمزي. جزءٌ من الخلاص الرائع الذي يمنحُه الله لنا ينطوي على وفرة ومأدَبة (سفر التكوين ٤٩: ٨-١٢). عندما ينقذ يسوع حفلَ العُرس، ربّما يُشير يوحنّا إلى هذا: هنالك الآن بين شعب الله مخلِّص عظيم .

ّوثمّة نقطة أخرى، غالبًا ما لا يتِمّ بحثُها، هي موقف يسوع تُجاهَ الزوجين الشابّين وحفلة عُرسهما. على الرغم من أنّه دعا عدّة أشخاص آخرين ليتركوا كلّ شيء ويتبعوه، فإنّه لا يعني، بأيّ حال من الأحوال، إزدراء الأُسْرة، بل بعكس ذلك تمامًا، إذ أنّ الحياة الأُسرية العاديةَ تتقبّل بركتَه.

وعلينا أيضًا بحثُ نظرة الكتاب المقدّس إزاءَ الخمر. السُّكْر خطيئة خطيرة، ولكنّ الكتاب المقدّسَ لا يُطالب بالابتعاد المطلق عن الخمر. هذا الابتعاد مثله مثلُ أنواعٍ أُخرى من ضبط النفس، هو نمط حياة جيّد وموصىً به، ولكن لا ينبغي أن يُطلب من أيّ شخص. إنّ عُمدان بوّابة الدرب الضيّق، قد حُدّدت بهذا النمط، كلّ شخص يزِن في ضميره ووجدانه في أيّ جانب من الدرب سيسير. إنّ التصرّف ضدّ ضمير الإنسان خطأ وضارّ جدّا.

ملاحظةٌ إضافية: يوحنّا والأناجيل السابقة

منَ الصعب، في بعض الأحيان، أن يتناسق إنجيل يوحنّا مع الأناجيل الثلاثة الأخرى. ويتجلّى هذا مثلًا في القصّة التالية: البشيرون الثلاثة الأوائل، يتكلّمون عن عمل يسوعَ في الجليل، رحلته إلى أورشليم، موته وقيامته. وفي أوصافهم، ترِد قصّة تطهير يسوعَ للهيكل في آخر أيّام حياته. يوحنّا يضع جدولًا زمنيًّا مختلفًا. يسوع يزور أورشليمَ مرّاتٍ كثيرة، وكذلك في غُضون عيد الفسح، وبالتالي يُمارس عمله علانيةً لسنوات كثيرة جدّا. عند البشير يوحنّا نجد أنّ تطهير الهيكل مذكورٌ في المراحل المبكّرة من حياة يسوع العامّة.

اختلف الباحثون حولَ ما إذا كان إنجيل يوحنّا تاريخيًا جديرًا بالثقة أكثرَ من الأناجيل الثلاثة السابقة. من الممكن أن يكون يسوع قد علّم مجموعةَ تلاميذه الصغرى لفترة أطولَ من الآخرين، وبعد ذلك فقط ظهر على الملأ. من ناحية أخرى، منَ المحتمَل أن يكون يوحنّا قد وضع قَصدًا هذا الحدثَ في مراحل عمل يسوعَ العلنية الأولى. في تلك الحالة، لا أحدَ يُمكن أن يُخطئ ويقولَ إنّ يسوعَ زعيمٌ سياسي.

علينا أن نكون راضين عنِ الصورة الكبرى، من دون الولوج عميقًا أكثرَ من اللزوم في التفاصيل، بغضّ النظر عمّا قد يكون فيها من تشويق ومتعة. قارىء الكتاب المقدّس بأناة، هو الذي يلاحظ الفرق بين يوحنّا والأناجيل الثلاثة الأولى. كلّ الإنجيليين الأربعة يصفون تطهير الهيكل ومعاناةَ يسوعَ وقيامته. إنّ الأناجيل ليست سِيَرًا ذاتية، على الرغم ممّا فيها من معلومات تاريخية دقيقة. دُوّنتِ الأناجيل لكي نؤمنَ بالمسيح. إنّ شهادات الإنجيليين الأربعة، على الرغم ممّا فيها من توتّر، فهي تتضمّن وصفًا أكثرَ ثراء وأكثر وفرة من شهادة واحدة خطّها مؤلِّف واحد.

يسوعُ المسيحُ يُطهِّرُ الهيكلَ ٢: ١٣-٢٥

في العصور القديمة وكذلك اليومَ، أقامت مجموعة من الناس المتجمّعةُ حول المعابد سوقًا مناسبة، واتّخذ المتسوّلون مِنطقة خاصّة بهم. وكان لليهود هيكل واحد فقط حيث كانوا يُضحّون لله. أولئك الذين جاؤوا لتقديم القرابين كانوا بالطبع بحاجةٍ إلى المأوى والغِذاء وكذلك للكثير من الحيوانات للقُربان. وكان من الممكن دفع ضريبة الهيكل بعِملة يهوديةٍ خاصّة فقط، وبالتالي فإن لنظام تبادل العملة دوران تسويق خاصّ به. إنّ حفرَ قُبور الكهنة الكبار، يُشير إلى أنّ النُّبلاء الكهنة، الذين قدّموا كلّ هذه الخِدْمات، كانوا يعيشون نَمَط حياةٍ غنيًّا جدّا. لا غرابةَ إذن في أنّ هدفَ الهيكل الحقيقيِّ قد يكون قد نُسي.

تطهير الهيكل كان عملًا راديكاليا (جذريًا)، وقد قام البشيرون الأربعة، يوحنّا ومتّى ومرقس ولوقا، بوصف الأحداث باتّساق وتناغم لحدّ ما. يسوع طرد جميعَ القادمين إلى السوق من الهيكل لأنّهم جعلوا منَ المكان المقدّس مركزًا تجاريا. واليهود الذين عرفوا العهد القديم فكّروا بكلمة النبيّ مَلاخي:

”وقال الربّ القدير: ها أنا أُرسل رسولي فيُهيّىء الطريقَ أمامي، وسُرعانَ ما يأتي إلى هيكله الربّ الذي تطلبونه ورسول العهد الذي به تُسَرّون ها هو آتٍ. فمَن تُرى يحتمل يومَ مجيئه ومن يثبُت عند ظهوره؟ فهو مثلُ نار المُمَحِّص وكصابون القصّار. ويجلس كمن يُمحّص الفضّة ويُنقّيها، فينقّي بني لاوي ويصّفيهم كالذهب والفضّة ليُقرّبوا التقدمة للربّ صادقين. فتكون تقدمةَ يهوذا وأورشليمَ عُربونًا للربّ، كالأيّام السالفة والسنين القديمة. (ملاخي ٣: ١-٤).“

وهنالك في العهد القديم في المزمور ٦٩: ١٠ نصّ هامّ آخرُ وقد أدركه التلاميذ أنّه نُبوءةٌ عن يسوعَ، ولكن في وقت لاحق فقط. ردُّ يسوع على اليهود، كان عَمدًا غامضًا وَفق طريقة الإنجيل الرابع النموذجية. كلّ مستمع كان يتخيّل أنّه كان يتحدّث عن بناية هيكل فخمة، مَهيبة، ولكنّه في الواقع كان يتحدّث عن جسده هو. وبهذه الطريقة، فإنّ موتَ المسيح وقيامتَه قد ظهرا في هذه المرحلة من الإنجيل. إنّنا نلاحظ تشابُهًا مع السرّ المسيحي في مرقس: المسيح يصف سيادتَه بصراحة ووضوحٍ، ولكنّ الناس لا يفهمون كلماتِه. تاريخ الأحداث التي يسجّلها يوحنّا هو ستّة وأربعون عامًا بعد بداية بناء الهيكل، وهو مفصَّلٌ بشكلٍ مُدهش، ويُمكّنُنا من تحديد عام الفِسح. بدأ تشييد الهيكل في العام ٢٠ أو ١٩ ق.م. وإذا كانت هذه المعلومة صائبةً فالعام يكون ٢٩ أو ٣٠ م.

في الآيات الأخيرة من الأصحاح الثاني الذي نحن بصدده، نُواجه مرّة أخرى مسألةَ الهدف من العجائب. يسوع يصنع العجائب التي تقود الناسَ إلى الإيمان به. وبهذه الطريقة ثمّةُ مغزىً هامّ لعجائب إنجيل يوحنّا. ولكن في الوقت نفسه، يُضيف الإنجيلي تقييمَ يسوع نفسه الذي يضع الإيمان البشريَّ في مكانه الصحيح: لم يكشِف يسوع السرّ للناس، لأنّه كان يعلَم أنّ الإيمان البشريَّ ضعيف.