إنجيل يوحنا اصحاح ١٥ - شَراكةُ المسيحِ- ما هي وما ثمنُها؟

بقلم: 
إركّي كوسكِنيمي، دكتور في اللاهوت
ترجمة وتدقيق: 
أ. د. حسيب شحادة

نستطيعُ الحصولَ على الشراكة مع الله بواسطةِ يسوعَ المسيحِ فقط ١٥: ١-١٧

عندما يتحدّث يسوع عن الكرْمة وأغصانها، فإنّ القارئَ الذي على دِراية جيّدة بالعهد القديم، يميل إلى التفكير ببعض الأمور التي قد لا نلاحظُها نحن بالضرورة. في العهد القديم (سفر المزامير ٨٠: ٨- ١٩؛ إرميا ٢: ٢١)، إسرائيل هي الكَرْمة التي غرسها الله. فمنَ السهل لنا أن نفهم هذا التشبيه. في الهواء الطلق، هنالك وفرة من النباتات البرية التي لا يعتني بها أحد. ومن الناحية الأخرى، نرى أنّ البستانيّ (البُسْتَنْجي) يأخُذ شتلة أو نبتة نحيلة هزيلة، يغرِسُها ويُغذّيها بأفضلَ ما عندَه من قوّة وعناية.

هذا هو بالضبط كيف أنّ إسرائيل، بحسب العهد القديم، هو شعب الله الخاصُّ به وبؤرة اهتمامه. ولكنّ يسوعَ الآنَ يُبدّل الصورة والتشبيه: الله هو البستانيّ، ويسوع نفسُه هو الكَرْمة، ومن خلاله فقط لا غير، تكون للناس شَراكة مع الله القدّوس. إذا لم تكن لدينا شَراكة مع الكرمة، فلن تكون لنا شَراكة مع الله. كلمات يسوعَ المألوفةُ هذه تقع على القارئ اليقظ المكترث بشكلٍ غير متوقّع تمامًا، حتّى فجأة، على عَجَل.

إنّ الآية الأخيرةَ من الأصحاح السابق (الرابع عشر) قد تجعلُنا نتوقّع بأنّ الوقت والمكانَ سيتغيّران، ولكن ما يلي الآن هو أنّ تعليمَ يسوعَ المسيحِ متواصل غير منقطع. ويبدو أنّ الأصحاحاتِ التاليةَ قد أُضيفت بعد تلك السابقة، قبل أنِ ٱستمرّ الكاتب بقصّة الآلام. في تلك الحالة، يكون المحرِّر، الذي قد يكون نفسُه كاتبَ الإنجيل، قد اتّخذ قرارًا واعيًا بالإبقاء على الصلة الظاهرة للعِيان. وإذا كان مُحرّرو الكتاب المقدّس قد سمحوا بهذا لأنفسهم، فنحن كمسيحيّين نسمح، بطبيعة الحال، ذلك للروح القُدس.

النقطة الأولى في كلمات يسوعَ، هي أنّه من خلال يسوع فقط لا غير، نحصُل على شراكة مع الآب. النقطة الثانية، كلّ الناس في نظر المسيح منقَسمون إلى فئتين. بعضُ الناس ينفصل عنه، ويذبُل تدريجيًّا كالأغصان، تُجمع وتُطرح في النار فتحترق. إنّ مصير أولائك الذين يبتعدون عن يسوعَ، يكون الدمارَ الأزلي. ويبقى آخرون في شَراكة مع يسوعَ، مثل غصنٍ في شجرة الكَرْمة. يُولي الكرّامُ كلَّ اهتمامه للعناية بمثل هذا الغصن. إنّه يُشذّبه، يُقلّمه، يُنظّفه ويسعى جاهدًا إلى جعله يُؤتي ثماره، فيفرح ويبتهج بعنبه.

بهذا الشكل يعتني يسوعُ بخاصّته. إنّه يُشذِّبُ ويُلقي بعيدًا كلّ الشوائب التي هي ضدّ إرادة الله ومشيئته، ويُرشدُنا للعيش باستقامةٍ وَفق إرادة الله. وعند ذلك فإنّنا سنُعطي ثمرًا جيدا، هذا الثمر على ضوْء الآيات التالية، هو حُبّ الجار. إتّباع المسيح ليس مجرّدَ معرفة ذهنية؛ إنّها تتبلور وتأخذ شكل الحبّ.

تمتدّ سلسلة الأمثلة منَ السماء إلى الأرض: الآب يُحبُّ الابنَ، والابن، بحسب هذا المثال، يُحبُّ الخطاة حتّى الموت، والخطاة، وَفقا لنفس المثال، يحبّون بعضهم البعض. في أيّ مكانٍ يتحقّق فيه أيّ شيءٍ من هذا، فإنّ اللهَ القُدّوس المحبّ يتلقّى الثناء والشرف. لذلك، يتحتّم على أولئك الذين ينتمون إلى يسوعَ المسيح أن يتذكّروا ربَّهُمُ الذي هو عطيّة وهِبة الله لهم، هو في الوقت ذاته، مثالٌ وقُدوة لهم، وعليهم في حياتهم اليومية أن يُبيّنوا حبَّهم للربّ من خلال العمل على هدْي وصاياه وتعاليمه. وأيّ إنسان يحيا على هذا المِنْوال، لا يكون مجرّدَ تابع مرؤوسٍ بلا عقل له، بل يكون صديقًا حبيبًا لربّه.

تقودنا كلمات يسوعَ إلى طرح مفهومين خاطئين، غالبًا ما ينشآن على بِساط البحث عندما نتحدّث عن محبّة الجار لجاره.
أولا، نحن نميل إلى اعتبار المحبّة والمعرفة أمرين متناقضين. كلّ من يقرأ هذا الأصحاحَ، الخامسَ عشرَ الذي نناقشه الآن، يُدرك أن لا تناقضَ كهذا. ترشدُنا المعرفة الصحيحة والشَراكة مع المسيح إلى حبّ جارنا. إذا كانت الأمور خلافَ ذلك، فإن معرفتَنا، بدون أدنى شكّ، خاطئة.

غالبًا ما تكون مسيحيّتُنا رقيقةً وعاجزة. وهذا ليس ناتجًا عمّا لدينا من وفرة من المعرفة الذهنية الصائبة، ولكن لأنّنا في الواقع قد فقدناها، ولم نُبقِ عيونَنا ثابتة ومعلّقة بعيني يسوعَ المُحبّة، ولذا فإنّنا لا نعمل على حبّه. إنّ مسيحيّة لا حولَ لها، وقساوةَ عديمي الضمير تشيران إلى أنّ الصليب لا يخيّم حقًّا على حياتنا ولا يسيّرها.

ثانيا، في السنوات الأخيرة، شهِدنا ميلا للتمييز بين حبّ الجار والوصايا المدوَّنة في الكتاب المقدّس: المسيحيون القانونيون (المتقيّدون بحرفية الشرعية) يقرؤون الكتاب المقدّسَ ككتاب قانون، والمسيحيّون ذوو نفاذ بصيرة في الحبّ، يعتبرون أنفسَهم غير مقيّدين بهذه الوصايا، وبدلًا من الامتثال لها، يركّزون على الحبّ.

هذا التناقض هو سوء فهم آدمَ القديم أيضا. وَفقًا لما قاله يسوع، حبُّنا له يتجلّى في ٱستعدادنا لعمل مشيئته، ارادته. في معظم الحالات تقدّم كلمة الله تعليماتٍ صريحةً لكلّ من يسعى حقًّا لمعرفة إرادة الربّ. ولكن أولئك الذين يريدون أن يفعلوا إرادتهُمُ الخاصّة في حياتهم، يجدون كلّ أمر غامضًا ولا يمكِن تصورُه.

العاَلم يكرَه تابعي يسوعَ المسيحِ ١٥: ١٨-١٦: ٤

إنّ المحبّة التي كرز بها يسوعُ وأظهرها أيضًا في الممارسة حتّى النهاية، ليست أنشودة رعويةً تقليدية، لا تأثيرَ لها ولا وقع على شُرور هذا العالَم، أو لا تتأثّر بما في هذا العالم من شُرور.

حبّه جَلّ عن (وراء) هذا العالَم، نابعٌ من قلب الآب الله. يرجِع أصله إلى خارج هذا العالَم الذي يكرَهُه بمرارة. وتتركّز الكراهية على صليب يسوع: لأنّ العالم قد رفض تعاليم يسوعَ ومعجزاتِه، كرهه وسمّره على الصليب، ولا بدّ لهذه الكراهية أن تندلع في اتجاهين. أوّلًا، إنّها موجّهةٌ ضدّ مصدر ذلك الحبّ، الله الآب. نعود ونقول، كلّ من يرفض يسوعَ لن يكون له أيّة حصّة أو نصيب عند الله. ثانيًا، إنّ الكراهيةَ التي يشعر بها العالَم نحو يسوعَ المسيحِ موجهةٌ إلى الأشخاص الذين يسعون لتتبّع خُطاه أي، المسيحيين.

لا يُمكن أن يكون، ولن يكون هناك أبدًا أيّ وِفاق أو انسجام، بين العالَم والمسيحيين. العالَم في النهاية، سيتجنّب ويكره ويضطهد الذين يشهدون بيسوع وبحبّه. وما حدث لربّهم سيحدث لهم أيضا، سيُضطهَدون، ويُخرَجون من الكنيس، وقد يُقتلون حتّى، وقد يظنّ القتلة أنّ ما فعلوه كان صائبًا تمامًا ويتمشّى مع مشيئة الله.

قد يجد الشعب الغربيّ اليومَ كلماتِ يسوعَ قاسيةً ولاذعة. ومع ذلك، فقد أثبتت صحّتها حتّى آخر تفصيل. تِرتليان (أو ترتليانوس، أب اللاهوت اللاتيني، مؤلِّف مسيحي أمازيغي، حوالي ١٥٥ إلى ٢٤٠م.) يصف تاريخ الكنيسة الأقدمَ بميزة فارقة كالآتي: ”إنّ الحقيقةَ وكراهيتَها دخلتا عالمنا في الوقت ذاته“.

إنقسمت مجموعة التلاميذ عندما وقع يسوعُ في الأسر. بعد ذلك، واجه أفراد تلك المجموعة التهديداتِ، الضربَ وسفك الدماء بسبب شهاداتهم المتجرّئة الوقحة. على مرّ القرون الثلاثة الأولى، عانتِ الكنيسة منَ اضطهادات مستمرّة بأشكال متنوّعة، منهجية على المستوى الوطني، أو أكثر محلية من حيثُ النطاق.

وراءَ كلّ منهما كانت كراهية الشيطان الجامحةُ تُجاهَ أولئك الذين ينتمون إلى الله. وبالتالي فإنّ هذه الكراهيةَ قدِ ٱرتسمت وتجلّت في أوقات مختلفة حولَ العالم: في اليابان مثلًا، كانت المسيحية محظورةً، وإلّا فهناك عقوبة الموت، لقرنين من الزمان، وقد شهِد قرننا كيف أنّ النازيين والشيوعيين اضطهدوا الإيمان الرسوليَّ بشدّة وصرامة.

تتعرّض حياةُ المسيحيّين اليومَ للخطر في الكثير من البلدان. في أوروبا يكرَه العالَمُ (الناس غير المؤمنين بيسوعَ، أنظر يوحنّا ١٥: ١٨) المسيحيّين بطُرق أخرى: الإيمان المستنِد إلى الكتاب المقدّس منبوذٌ ومنأيّ عنه. ومع ذلك، لم يتِمّ العثور على أيّة وسيلة للقضاء على الإيمان المسيحي واجتثاته من على وجه الأرض. إنّه باقٍ هنا حتّى مجيء المسيح الثاني إلى العالَم. علينا أن نلتزم بحبّه حتّى ذلك الحين، بغضّ النظر عمّا سندفَعه من ثمن، ونتكبّده من مشاقّ من أجل ذلك.