ماذا يُعلّمُ الكتاب المقدّس عن المعْمودية؟

بقلم: 
د. إركّي كوسْكِننيمي
ترجمة وتدقيق: 
حسيب شحادة

أهدُف في هذا العرض، إلى تقديم خُلاصة مقتضبة لما يعلّمنا الكتاب المقدّسُ عن المعمودية. وأرمي بهذا إلى مناقشة أولائك الذين يرفُضون المعموديةَ كوسيلةٍ للنعمة، أي غُفران الخطايا في المعمودية. وهنا في وُجْهة نظري أتبنّى الفهم اللوثريَّ التقليدي.

وهذا العرض يُقدّم نقاطَ بدء للشروع في النقاش والحِوار. والهدف من ذلك توقّف القارىء في الفقرة الأخيرة، ويفكّر مليًا في النِّقاط الأساسية التي قد يرفُضها. بعد ذلك منَ الممكن استكشافُ الكتاب المقدّس حولَ هذه النِقاط.

وللحصول على خُلاصة موجزة لهذه القضية، ينبغي لي أن أكتُب بطريقة مبسّطة. لذلك لن نناقشَ هنا مواضيعَ مثل أمثلة من العهد القديم، معمودية يوحنّا المعمدان وحالات هامّة كثيرة أخرى من المعمودية وردت في سِفْر أعمال الرسُل.

فُسوق/فساد الإنسان كامل

لا يُمكن فهمُ موضوع المعمودية بدون فهم خلفيّتها: نقطة الانطلاق هي أنّ الجنس البشريَّ بأكمله منفصِلٌ كليًّا عن الله. في الإصحاح الأوّل من الرسالة إلى أهل رومية نجِد النقاط الأساسية البسيطةَ والمحزنة: كان لِزامًا على البشرية أن تكون قد عرفت الله وخدمتْه بسبب ما يُدعى ”الوحي العامّ“، إلّا أنّها لم تقُم بذلك، بل أدارت ظهرَها لله وأخذت بعِبادة الأوثان. وبسبب ذلك، أدار الله ظهرَه للجنس البشري وتركَه مُنغمسًا في الخطيئة. لهذا السبب نرى العالَم كما هو، مكان ميئوس منه بسبب الخطيئة والظلمة. لا أحدَ هنا في ”الجسد“ الخاصّ بهم (أي النفوس الساقطة) يبحَث عن الله. أضِف إلى ذلك، أخفى الله نفسَه عنِ الإنسان ولا يسمَح لأحد العثور عليه. الله إلهٌ خفيّ. وحتّى ورَع الإنسان لا يجعلُه أقرب َمن الله، بل بالأحرى يُبعدُه أكثر.

وهكذا، فإنّ بيتَ القصيد هو انفصالُ الإنسان التامُّ عن الله. ولكن جوهر رسالة الكتاب المقدّس، هو أنّ اللهَ قد حوّل وجهه المحبَّ نحو العالَم الساقط، والمحكوم عليه بالفشل، وأَعدّ لنا فِداءً بالمسيح. إنّه مهّد الطريق للمسيح باختياره إبراهيمَ الخليل، ومن خلاله صنع الله أُمّةً أصبحت شعبَ الله المختار. وقد أعلن الله إرادتَه لموسى والأنبياء. وهكذا كان الطريق مُعبّدًا لدخول ابن الله إلى العالَم. سطع النور في الظلام وجاء الله إلينا.

الكلّ يدور حولَ فِعل محبة الله العظيم. ولقد تمّ إعدادُه في العهد القديم وتحقّق في الجُلجثة، وبعد قيامة يسوع المسيح، كان على الرُسل وأتباعهم وكلّ كنيسة المسيح ترديد ذلك. وبالنسبة لنا، يردُ عملُ الله الرؤوفُ هذا في الكلمة الرسولية في الكتاب المقدّس وفي السِّرّين المقَدّسيْن، المعمودية والعَشاء الربّاني.

منذ ”سقوط الإنسان“ بسبب آدم، يولدُ كلُّ إنسان خاطئًا في هذا العالَم (أُنظر سفر المزامير ٥١: ٧)، ويعيش حياتَه بعيدًا عن الله وتكون نهايتُه الخطيئة المميتة. أملُنا الوحيد وخلاصُنا الوحيد أنّ اللهَ قدِ ٱقترب من العالَم الساقط، من خلال ابنه يسوع المسيح، وحقّق عملَه الخلاصيّ على الصليب. التعليم القاضي بأنّه بمقدور جميع الأطفال دخول الجنّة حتّى بدون يسوعَ المسيح، هو نِتاج تفكير بشريّ، ولا يعتمدُ على ما في الكتاب المقدّس. أنت تستطيع أن تنال الخلاصَ إذا كنتَ تِلميذًا ليسوعَ المسيح، ويُمكنك أن تُصبح تلميذًا بالمعمودية (أُنظر إنجيل متّى البشير ٢٨: ١٨-٢٠).

٢. ما هي المعمودية؟

يصف الكتاب المقدّس المعموديةَ بطُرقٍ متنوّعة.

أ. الدفن والقيامة - رسالة بولُسَ الرسولِ إلى أهْل رُوميّة الإصحاح السادس

الموت عن الخطية والحياة في المسيح

١ فَمَاذَا نَقُولُ؟ أَنَبْقَى فِي ٱلْخَطِيَّةِ لِكَيْ تَكْثُرَ ٱلنِّعْمَةُ؟ ٢ حَاشَا! نَحْنُ ٱلَّذِينَ مُتْنَا عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ، كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا؟ ٣ أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ ٱعْتَمَدَ لِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، ٤ فَدُفِنَّا مَعَهُ بِٱلْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ ٱلْمَسِيحُ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ ٱلْآبِ، هَكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ ٱلْحَيَاةِ؟ ٥ لِأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ. ٦ عَالِمِينَ هَذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا ٱلْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ ٱلْخَطِيَّةِ، كَيْ لَا نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ. ٧ لِأَنَّ ٱلَّذِي مَاتَ قَدْ تَبَرَّأَ مِنَ ٱلْخَطِيَّةِ. ٨ فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ ٱلْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ. (رومية ٦: ١-٨).

يؤكّد الرسول بولُس، طَوال الإصحاحات الأولى من رسالته إلى أهل روميّة، على النِّعمة غير المشروطة من أجل يسوع المسيح. بعد ذلك يتطرّق إلى الحُجَج المضادة الممكنة: هل معنى ذلك أنّه يُسمَح للمسيحيّ أن يُخطِىء بقدر ما يحبُّ ويشاء؟ وجاء الجواب مفاجئًا مُدْهشًا: كلّا!، لأنّه قد تعمّدَ!

في ما يلي عرض عظيم حول معْنَيي المعمودية. أوّلًا، إنّها هِبة الله التي تخلُق صلةَ موت يسوعَ المسيح وقيامته بمجد الله. ثانيًا، إنّها التزام المسيحيّ الذي حصل على المعمودية فينتمي إلى الله، عليه أن يحيا كابن الله أيضا.

ومعنى المعمودية، أنّ نفسَنا القديمةَ مدفونةٌ في موت يسوع المسيح، ومن قبر المعمودية ينهَض كِيان جديد مرتبطٌ بقيامة يسوع المسيح؛ خلق الله فينا شخصًا جديدا. وهذا يُلْزِمُ المسيحيَّ المعمَّد التكريس مدى الحياة؛ خلعُ النفس القديمة كلّ يوم وارتداء النفس الجديدة. وهذا ما يؤكّدُه بولس الرسول طَوال بقية الإصحاح، الذي يستحقّ بالتأكيد القراءة.

وهذا يرتكز على النموذج الذي يُعلّمه الرسول بولُس بشدّة في مكان آخرَ. ثمّة ”نفس قديمة“ و ”نفس جديدة“، والأولى معناها الإنسان بمفرده بدون نِعمة يسوعَ المسيح (أُنظر رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، الإصحاح السادس). ”النفس الجديدة“ ترمُز إلى مكانة المسيحي الجديدة كمسيحي افتداه الله. إنّ الحياةَ المسيحية تدور حول اتّخاذ القرارات باستمرار بصدد هذه الصيغة، خلع النفس العتيقة وارتداء الإنسان الجديد (أُنظر أَفَسُس ٤: ٢٢-٢٤؛ كُولُوسّي ٣: ٩-١٠، خلعتمُ الإنسان العتيقَ ولبستمُ الجديد).

ب. الولادة الجديدة (يوحنّا ٣: ٥؛ تيطُس ٣: ٣-٧)

١ كَانَ إِنْسَانٌ مِنَ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ ٱسْمُهُ نِيقُودِيمُوسُ، رَئِيسٌ لِلْيَهُودِ. ٢ هَذَا جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلًا وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ ٱللهِ مُعَلِّمًا، لِأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هَذِهِ ٱلْآيَاتِ ٱلَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ ٱللهُ مَعَهُ». ٣ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ ٱللهِ». ٤ قَالَ لَهُ نِيقُودِيمُوسُ: «كَيْفَ يُمْكِنُ ٱلْإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟ أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ؟». ٥ أَجَابَ يَسُوعُ: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنَ ٱلْمَاءِ وَٱلرُّوحِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ ٱللهِ. ٦ اَلْمَوْلُودُ مِنَ ٱلْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَٱلْمَوْلُودُ مِنَ ٱلرُّوحِ هُوَ رُوحٌ. ٧ لَا تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ. ٨ اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لَكِنَّكَ لَا تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلَا إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هَكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ ٱلرُّوحِ».
٩ أَجَابَ نِيقُودِيمُوسُ وَقَالَ لَهُ: «كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا؟». ١٠ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «أَنْتَ مُعَلِّمُ إِسْرَائِيلَ وَلَسْتَ تَعْلَمُ هَذَا! ١١ اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّنَا إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ بِمَا نَعْلَمُ وَنَشْهَدُ بِمَا رَأَيْنَا، وَلَسْتُمْ تَقْبَلُونَ شَهَادَتَنَا. ١٢ إِنْ كُنْتُ قُلْتُ لَكُمُ ٱلْأَرْضِيَّاتِ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ إِنْ قُلْتُ لَكُمُ ٱلسَّمَاوِيَّاتِ؟ ١٣ وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ إِلَّا ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ ٱلَّذِي هُوَ فِي ٱلسَّمَاءِ.
١٤ «وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى ٱلْحَيَّةَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ، ١٥ لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ. ١٦ لِأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ ٱللهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ. ١٧ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ ٱللهُ ٱبْنَهُ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِيَدِينَ ٱلْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ ٱلْعَالَمُ. ١٨ اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَا يُدَانُ، وَٱلَّذِي لَا يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللهِ ٱلْوَحِيدِ (إنْجيل البشير يوحنّا ٣: ١-١٨).

٣ لِأَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضًا قَبْلًا أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي ٱلْخُبْثِ وَٱلْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا. ٤ وَلَكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا ٱللهِ وَإِحْسَانُهُ - ٥ لَا بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ - خَلَّصَنَا بِغُسْلِ ٱلْمِيلَادِ ٱلثَّانِي وَتَجْدِيدِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، ٦ ٱلَّذِي سَكَبَهُ بِغِنًى عَلَيْنَا بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا. ٧ حَتَّى إِذَا تَبَرَّرْنَا بِنِعْمَتِهِ، نَصِيرُ وَرَثَةً حَسَبَ رَجَاءِ ٱلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ (رسالة بولُسَ الرسولِ إلى تيطُس ٣: ٣-٧).

ت. أن تُصْبِحَ عُضْوًا في جسَد يسوعَ المسيح (١ كورِنْثوس ١٢: ١٢-١٣)

لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ أَعْضَاءِ ٱلْجَسَدِ ٱلْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَذَلِكَ ٱلْمَسِيحُ أَيْضًا. ١٣ لِأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضًا ٱعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ، يَهُودًا كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ، عَبِيدًا أَمْ أَحْرَارًا، وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحًا وَاحِدًا (رسالة بولُسَ الرسولِ الأولى إلى أهْل كُورِنْثُوس ١٢: ١٢-١٣).

في مدينة كُورِنثُوس اليونانية كانت تعيش طائفةٌ من المصلّين حياةً شديدةَ الاضطراب، ولكنّها عزيزةٌ على قلب بولس الرسول. مشاكلها تمثّلت في أنّّها كانت من ناحيةٍ ذاتَ روحانية عظيمة، ومن الناحية الأُخرى كانت تعيش حياة ”الجسد“، لا سيّما عندما كان الأمر يتعلّق بمواهب نعْمة الله، كان ينظُر الناس، بعضُهم إلى بعض باحترام أو بازدراء. وفي الإصحاح الثاني عشر، يكتُب الرسول بولس عن هذا بأناةٍ شديدة.

قاعدةُ الشخص المسيحيِّ ليست مَبنيةً على الهبة الروحية المجيدة، التي تلقّاها، ولا على أيّ شيء آخرَ بداخله هو. إنّ الأساسَ هو أنّ الروحَ القُدُس قدِ ٱعتمد إلى أعضاء جسد المسيح التابعة له (١ كورنثُوس ١٢: ١٢-١٣).

بعد ذلك، تُعطي الروح القدس كلَّ عُضوٍ مهامًّا مختلفة، ولكنّنا جميعًا متساوون. يُمكن تشبيهُ المعمودية بـ ”رِسامة القِسّيس“، لأنّ لكلّ مسيحيّ بعد ذلك رسالته الخاصّة في هذا العالَم. وممّا يجدُر ذكرُه، أنّ الانتماءَ للمسيح لا يرتكِز على هبات أو رسالات مختلفة، بل على فِعل نعْمة الله الممنوحة لنا في المعمودية.

ث. لُبْس المسيح (غَلاطِيّة ٣: ٢٦-٢٩)

٢٦ لِأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ ٱللهِ بِٱلْإِيمَانِ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ. ٢٧ لِأَنَّ كُلَّكُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَمَدْتُمْ بِٱلْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ ٱلْمَسِيحَ: ٢٨ لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلَا يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلَا حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لِأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ. ٢٩ فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ ٱلْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ (رِسالة بولُسَ الرسولِ إلى أهْل غَلاطِيّةَ ٣: ٢٦-٢٩).

المشكلة الأساسية الكامنةُ في الرسالة إلى أهل غلاطيّة، كانتِ العلاقة بين المسيحيين غير اليهود (الأمميّين، من الأُمَم) والمسيحيين اليهود. وقد علّم بولسُ الرسول، أنّ الوثنيين يُصبحون أبناءَ الله عن طريق وضع ثقتهم بالمسيح فقط. ومع ذلك أتى إلى غلاطيّة، مِنطقة قديمة في وسَط الأناضول، معلّمون اعتقدوا أنّ المسيحيّين غيرَ اليهود لم يكونوا مسيحيّين حقيقيّين ما لم يبدأوا في اتّباع قانون/شريعة موسى.

يقول الرسول بولُس في الإصحاح الثالث من رسالته إلى أهل غلاطيّة، إنّ اللهَ قد بارك إبراهيم وذريّتَه - لشخص واحد. كيف باستطاعتنا أن نكون جزءً من هذه البركة؟ وجوابُ الرسول بولس: ”الذريّة/النسل“، والشخص الواحد الأحد هو ”المسيح“. عندما نتعمّد نصير خاصّته. نحن نلبَس يسوعَ المسيح، ونتّحدُ في كِيانٍ واحد مع جميع المسيحيّين، وقبلَ كلّ شيء مع يسوعَ المسيح. نحن نُصبح جسدَه، ولا يهُمّ أصلُ الإنسان، أوُلِد يهوديًا أم يونانيًّا، لأنّ اللهَ يمنحُنا شخصيًا نعمتَه عن طريق المعمودية.

ج. المعمودية هي عهد/ميثاق الضمير الصالح (١ بطرس ٣: ٢٠-٢٢)

٢٠ إِذْ عَصَتْ قَدِيمًا، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ ٱللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ ٱلْفُلْكُ يُبْنَى، ٱلَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِٱلْمَاءِ. ٢١ ٱلَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ ٱلْآنَ، أَيِ ٱلْمَعْمُودِيَّةُ. لَا إِزَالَةُ وَسَخِ ٱلْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ ٱللهِ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٢٢ ٱلَّذِي هُوَ فِي يَمِينِ ٱللهِ، إِذْ قَدْ مَضَى إِلَى ٱلسَّمَاءِ، وَمَلَائِكَةٌ وَسَلَاطِينُ وَقُوَّاتٌ مُخْضَعَةٌ لَهُ (رسالةُ بُطْرسَ الرسولِ الأولى ٣: ٢٠-٢٢).

يكتُب بطرسُ أنّ فُلْكَ نوح والفيضانَ هما رمزُ المعمودية. المعمودية كالسفينة التي تحافِظ على بقاء المسيحيّ على السطح كلّما حدث فيضان. إنّ النقطةَ الرئيسية في سرّ المعمودية، ليست تخلّي الإنسان عن حياته الآثمة - على الرغم من أهميّة ذلك وفْق ما ورد في الإصحاح السادس من الرسالة إلى أهل رومية. إنّ النقطة الرئيسيةَ هي أنّ اللهَ في المعمودية يؤسِّس ”ميثاق الضمير الصالح“. ومعنى اللفظة اليونانية ”eperotema, إِپِروتيما“ حرفيًا هو ”سؤال/استفسار“، أو ”عَقْد“ كما في هذا السياق، حيث يقبَلُه الطرف الأضعف عندما يُسأل . وهكذا، فإنّ العقد أو ”ميثاق/عهد الضمير الصالح“، معناه في المقام الأوّل، أنّ اللهَ يعرِض على الإنسان الغُفرانَ والضمير الصالح ويقبلُهما الإنسان بشكر وٱمتنان.

٣. المعمودية تُخلِّصُ ولا تُخَلِّص

الفَقْرة في ١ كورنثوس ١٠: ١-١١ هامّة ولكنّها في كثير من الأحيان تُنسى، وهناك يُقارن الرسول بولسُ أهلَ العهد الجديد بتجوال شعب العهد القديم من مصرَ إلى أرض الميعاد. حتّى في ذلك الحين، كان الجميع قدِ ”ٱعتمد إلى موسى في البحر“، ولكنّهم جميعًا ما وصلوا أرضَ الميعاد بسبب سقوطهم في الكُفر.

- هل أنقذَ اللهُ هؤلاءِ الناسَ من مصرَ ومن جيش فِرْعَوْن؟
- نعم، لقد قام بذلك، لأنّه أعدّ لهم الرحلةَ إلى أرض الميعاد.
- هل فعلوا ذلك؟
- كلّا، لأنّّهم سقطوا في الكُفر والإلحاد.

والأمر ذاتُه، ينطبِق على المعمودية: لقد تلقّى كلّ مَنِ ٱعتمد فعلَ خلاص حقيقيّ وواضح من الله، ويُمكنُنا الاعتمادُ عليه بإطمئنان. ومع ذلك، فنحن لم نبلُغِ الغايةَ بعد، فالطريق إلى السماء طويل وخطير. نستطيع أن نرى أُناسًا كثيرين معمَّدين، ولكنّهم ليسوا بعد الآن، في طريقهم إلى السماء، بل بالعكس إلى الإدانة. أمامَنا مهمّة ضخمة حقّا.

٤. النقاط الرئيسية/المفتاحية

بناءً على ما قلتُه آنِفًا، سأُقدّم أربعَ نِقاط أساسية. إذا كانت هذه القضايا متّفقًا عليها فإنّه سيتمّ في حينه إيجاد الحلّ لمسائلَ متعلّقة بالمعمودية. ولكن إذا كانت هذه القضايا غامضةً، فإنّها ستُسبّب خِلافًا عند مناقشة سرّ المعمودية. ولذلك يحسُن التركيزُ على النِقاط الجوهرية التالية:

أ. كلّ إنسان واقعٌ تحت الخطيّة بالكامل، ويُخلَّصُ بواسطة عمَل الله فقط؛ وهذا يشمُل الأطفال.

ب. إنّ الله جعل المعمودية طريقًا للخلاص، ولذلك فهي ضرورية للخلاص للأطفال أيضا. ومع ذلك، فإنّ اللهَ غيرُ مُلزَمٍ بألّا يقدر على إنقاذ شخص ما غير معمّد؛ لله مطلَق الحريّة.

ت. إنّ المعموديةَ هِبةُ من الله لنا، وفيها يمنحُنا حقًّا كلَّ ما نحتاجُه من أجل بُلوغ الجنّة. السؤال المركزي في المعمودية هو: هلِ يسوعُ المسيحُ موجودٌ أم لا؟ وهل تُغفَر خطايانا بالمعمودية أم لا؟ إذا كان الجواب بلا فلا فائدةَ ولا ثمرةَ إذن من المعمودية؛ وإذا كان الجواب بنعم، فهذا يعني أنّ كلَّ ما نحتاجُه، هو هذا العمل الإلهيّ.

ث. إضافة إلى كون المعمودية هبة فإنّها عهْد والتزام. المعمودية هي بداية رحلتِنا إلى السماء ولم نبلُغْها بعد. والكثير من الذين نالوا المعمودية، يضيعون في الطريق حينما يُديرون ظهورَهم للربّ. لدينا السماح للسير نحوَ السماء بمعيّة شعب الله، وأن نكونَ جزءً منه هنا في الدنيا وثانية في الملكوت.