الثالوثُ - بعضُ الأُسُس

بقلم: 
د. إركّي كوسْكِننيمي
ترجمة وتدقيق: 
حسيب شحادة

يُؤمِن المسيحيّون بإلهٍ واحد، الآب والابن والروح القُدُس. وقدِ ٱستُخدمت لفظة ”الثالوث“ (trinitas باللاتينية) تقليديًّا عند الحديث عن الله وقداسته، مع أنّ الكتاب المقدّسَ لا يستعملُ هذا المصطلح. هذا البَنْد في الإيمان هامّ جدًّا للكنيسة، إذ أنّ أولائك الذين يُنكرونه لم يُعْتَبروا وَفْق التقليد كمسيحيّين بتاتًا. ولكن ما الذي في كلّ هذا؟

لا تهدُف هذه المقدّمة الموجزة إلى تناوُل هذا الموضوع الهامّ بما يتطلّبه من العُمق، إذ أنّ مقالاتٍ كثيرةً تُعنى بالإيمان المسيحي قد كتبَتْها شخصياتٌ تاريخية في الكنيسة، على سبيل المثال، أب الكنيسة أوغسطين/أوغسطينوس (قدّيس في الكنستين الكاثوليكية والأنغليكانية، وفيلسوف، ٣٥٤ -٤٣٠م.) في عمله الشامل الذي قام بذلك الغرض. على كلّ حال، أوردُ عرْضًا للأُسس فقط في يلي.

نقطة الانطلاق

منذ البداية اعترف المسيحيّون بإيمانهم بالعهد القديم: وَحْدانية الله، لا يوجد سوى إلهٍ واحد. إنّه اعتراف إسرائيل وعلى سبيل المثال لبولسَ الرسول دور في هذا.

اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: ٱلرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ (سِفْر التثنية ٦: ٤).

٥ لِأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَا يُسَمَّى آلِهَةً، سِوَاءٌ كَانَ فِي ٱلسَّمَاءِ أَوْ عَلَى ٱلْأَرْضِ، كَمَا يُوجَدُ آلِهَةٌ كَثِيرُونَ وَأَرْبَابٌ كَثِيرُونَ. ٦ لَكِنْ لَنَا إِلَهٌ وَاحِدٌ: ٱلْآبُ ٱلَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ ٱلْأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ، ٱلَّذِي بِهِ جَمِيعُ ٱلْأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ. (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهْل كُورِنْثُوس ٨: ٥-٦).

بينما يوضّح العهد الجديدُ برُمّته هذا المبدأ الأساسيَّ، إلّا أنّه يتحدّث أيضًا عنِ الآب والابن والروح القُدُس.

١٨ فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى ٱلْأَرْضِ، ١٩ فَٱذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلْأُمَمِ. وَعَمِّدُوهُمْ بِٱسْمِ ٱلْآبِ وَٱلِٱبْنِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ. ٢٠ وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلْأَيَّامِ إِلَى ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ». آمِينَ. (إنْجيلُ البشير مَتّى ٢٨: ١٨-٢٠).

 ١٤ نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ ٱللهِ، وَشَرِكَةُ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ. (رسالة بولُس الرسولِ الثانيةُ إلى أهلِ كُورِنْثوس ١٣: ١٤).

وهكذا هنالك إلهٌ واحد فقط، إلّا أنّنا ما زلنا نتكلّمُ عنِ الآب والابن والروح القُدُس وتجِبُ مراعاةُ هذين المنظورين. الآب هو الله، يسوع المسيح هو الله، والروح القُدُس هو الله.

أظنّ أنّ كلّ مَن يقرأ الكتاب المقدّسَ لا يشُكّ أو يرتاب في أُلوهية الله. ويُعلّمنا العهد الجديدُ أيضًا بجلاء بأنّ يسوع المسيحَ، ابن الله، هو الله:

ٱللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلِٱبْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلْآبِ هُوَ خَبَّرَ (إنْجيل البشير يوحنّا ١: ١٨). وَنَعْلَمُ أَنَّ ٱبْنَ ٱللهِ قَدْ جَاءَ وَأَعْطَانَا بَصِيرَةً لِنَعْرِفَ ٱلْحَقَّ. وَنَحْنُ فِي ٱلْحَقِّ فِي ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. هَذَا هُوَ ٱلْإِلَهُ ٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ. (رسالة يوحنّا الرسولِ الأولى ٥: ٢٠).

فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ ٱللَّاهُوتِ جَسَدِيًّا. (رسالةُ بولُس الرسول إلى أهل كُولُوسِّي ٢: ٩).

وهنالك بالفعل في العهد القديم ذِكْرٌ لروح الله التي يمنحُها لشعبه.

٢٦ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ ٱلْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ. ٢٧ وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي، وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَ بِهَا. (حِزْقِيال ٣٦: ٢٦-٢٧).

رسالة بولس إلى أهل أَفَسُس، على سبيل المثال، تنُصّ بصراحة على أنّ الروح القُدس ليست قوّةً يُمكن مقارنتُها بالجاذبية - وإلّا فإنّها لن تحزَن - ولكنّها شخص. وقد ورد في الرسالة:

وَلَا تُحْزِنُوا رُوحَ ٱللهِ ٱلْقُدُّوسَ ٱلَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ ٱلْفِدَاءِ. (أَفَسُس ٤: ٣٠).

ويُخْبرُنا سِفْر أعمال الرُّسُل كيف أنّ حَنانِيَّا وسفّيرةَ زوجته كذَبا على الروح القُدُس - بعِبارة أخرى، على الله - وحوكما بما يستحِقّانه.

 فَقَالَ بُطْرُسُ: «يَا حَنَانِيَّا، لِمَاذَا مَلَأَ ٱلشَّيْطَانُ قَلْبَكَ لِتَكْذِبَ عَلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَتَخْتَلِسَ مِنْ ثَمَنِ ٱلْحَقْلِ؟ (أعْمالُ الرُّسُل ٥: ٣).

وهكذا الآبُ هو الله، المسيح هو الله والروح القُدُس هو الله؛ ومع ذلك هنالك إلهٌ واحد ولهذا الإله ثلاثة أقانيم.

الآب والابن والروح القُدس يوضّح الواحدُ الآخرَ لشعوبهم.

كان قد تمّ للتوّ إنقاذ صبيّة، وتساءلت بحَيرة وارتباك، في ما إذا كان ينبغي لها أن تُصلّي إلى الآب أو الابن أو الروح القدس. قدّمت جدّتُها لها إجابة بسيطةً، ولكنّها نابعةٌ من صميم الروح: ”صلّي لأيّ واحد منهم، فإنّهم سيتّفقون في ما بينهم على من يجِب أن يهُبّ لمساعدتك“. لدعم هذه النصيحة الرائعة، دعونا نتوجّهُ إلى الكتاب المقدّس.

وَفقًا لابن الله، يسوع المسيح، لا يُمكننا معرفة الابن بدون الآب.

 فِي ذَلِكَ ٱلْوَقْتِ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَحْمَدُكَ أَيُّهَا ٱلْآبُ رَبُّ ٱلسَّمَاءِ وَٱلْأَرْضِ، لِأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هَذِهِ عَنِ ٱلْحُكَمَاءِ وَٱلْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلْأَطْفَالِ. (إنجيل البشير مَتّى ١١: ٢٥) .

 فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «طُوبَى لَكَ يا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لَكِنَّ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ. (إنجيل البشير مَتّى ١٦: ١٧).

ومن ناحيةٍ أُخرى، لا نستطيعُ أن نعرفَ الآبَ بدون يسوعَ المسيح:

٢٧ كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلِٱبْنَ إِلَّا ٱلْآبُ، وَلَا أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلْآبَ إِلَّا ٱلِٱبْنُ وَمَنْ أَرَادَ ٱلِٱبْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ (إنجيل البشير مَتّى ١١: ٢٧).

قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ ٱلطَّرِيقُ وَٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى ٱلْآبِ إِلَّا بِي (إنجيل البشير يوحنّا ١٤: ٦).

لا أحدَ يُمكن أن يلمسَه اللهُ بدون الروح القُدس:

لأنَّ الرُّوحَ الذي نِلْتُموهُ لا يَسْتَعْبِدُكُم ويَرُدُّكُم إلى الخَوْف، بل يَجْعَلَكُم أبْناءَاللهِ وبِهِ نَصْرُخُ إلى اللهِ: أيُّها الآبُ أبانا. (رسالة بولُس الرسولِ إلى أهْلِ رومية ٨: ١٥).

لِذَلِكَ أُعَرِّفُكُمْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِرُوحِ ٱللهِ يَقُولُ: «يَسُوعُ أَنَاثِيمَا». وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلَّا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ (رسالة بولُس الرسول الأولى إلى أهلِ كُورِنْثوس ١٢: ٣ ).

وهكذا يُمجّدُ الآبُ والابن والروح القدس بعضهم بعضا إلينا.

كيف يُمكننا الشروعُ بفهم هذا؟

يقول أبُ الكنيسة أوغسطين في تأكيداته/بياناته الأساسية السبعة:

- الآبُ هو الله
- الابنُ هو الله
- الروحُ القدس هو الله
- الابنُ ليس الآبَ
- الابن ليس الروحَ القدس
- الروح القدس ليس الآبَ
- يوجد إلهٌ واحدٌ فقط

كلّ هذه البيانات متناغمةٌ مع الكتاب المقدّس، وبواسطتها نبدَأ في فهم الموضوع: هنالك إلهٌ واحد بثلاثة أقانيم. ليس علينا محاولة النبْش عميقًا في جوهر الله، لأنّه لُغزٌ عظيم، إذ أنّه في كلّ الأحوال، لن نَعِيَ سوى جزء بسيطٍ منه ظهر وانكشف لنا.

وبعد فهم هذه التعابير الأساسية، يبقى حيّز رَحْبٌ للتساؤل والاندهاش. كان بالإمكان قول أكثرَ من ذلك بكثير، وقد قيل فِعلًا باقتدار في العروض الأكثر شُمولية؛ آمُل، على كلّ حال، أنّك قد حصلت على بداية جيّدة بهذا الموجز.