المعمودية والقربان

القِسُّ يصُبُّ الماء على رأس الطفل معمِّدًا إيّاه باسم الآب والابن والروح القدس. إذا لم يتعمّدِ الشخصُ عندما كان طفلًا، فيجوز له أن يتعمّد وهو راشد بالغ، لماذا؟

لأنّ يسوع المسيح أمر بذلك. قال إنّه من خلال المعمودية يُصبح الشخص تِلميذًا له، ويملِك ما يملك هو. من خلال المعمودية نُصبح أبناءَ الله - وكهبةٍ نحصل على الغفران والخلاص والحياة الأبدية. يقول الكتاب المقدّس إنّنا نلبَسُ المسيح عندما نُعَمَّد، ويكون لنا ملجأنا ما فعله يسوع المسيح من أجلنا.

من الطبيعيّ والبدهيّ أن يتساءل المرء، كيف أنّ مجرّد سكْب بعض الماء على الرأس، يُمكن أن يكون له هذا المفعول العظيم. الله قد وعد بالعمل عند تعميد شخص ما. كما ووعد بأن يتّخذَه ابنًا له، يغفِر له خطاياه ويُخلّصُه. لقد اختار الله مثل هذه الطريقة كي نملِك ما كان يسوع المسيح قد جَنى. هناك بالتأكيد حِكمة عظيمة في عمل الله بهذه الطريقة بالضبط .

”فاذْهبوا وتَلْمِذوا جميعَ الأمم، وعمِّدوهُم باسم الآب والابن والروح القُدُس. وعلِّموهم أن يعملوا بكلّ ما أوْصيْتكُم به، وها أنا معكم طَوالَ الأيّام، إلى انقضاء الدهر“ (إنجيل متّى ٢٨: ١٩-٢٠)

كنتُ قد تعمدّت منذ زمن طويل. ما معنى ذلك الآنَ، أو هل لذلك معنى ما أصلًا؟

المعمودية بالنسبة لي، على الأقلّ، أمر عظيم. حينما كنتُ صغيرًا وعُمِّدتُ ما كان بوسعي أن أقوم بأيّ شيء، أو أن أنجح أو أغيّر شيئًا مهما كان قليلا. في الحالة التي كنتُ فيها، في نقصاني وعجزي وبدون المعرفة بأنّه عليّ أن أكون أفضلَ، كنتُ كافيًا ومقبولًا في عيني الله. كنتُ بارًّا صالحًا لأنّ يسوعَ المسيح قد مات من أجلي، وأصلح ذات البين بيني وبين خطاياي، غفرها لي. هكذا كان وما زال حتّى الآنَ. هذا ما تذكّرُني به المعمودية!

ماذا لو كنّا في كل صباح نقول لأنفسنا ما معنى المعمودية: كما أنا، إنّي مُلك الله وسأذهب إلى الجنّة. كما أنا، أستطيع أن ألجأ إلى يسوع المسيح. هذا يجلِبُ لي السعادة والعِرفان بالفضل والجميل. إنّّه أمرٌ يجلِبُ القوّةَ والمقدرةَ للعيش كمسيحيّ ووَفْق مشيئة الله، ولو قليلا.

الكتاب المقدّس يعلّمنا بأنّنا نخلُص بالنعمة، وهذا معناه أنّنا نستطيع أن نكونَ مُلكَ الله ولا حاجة لكسبها، فإنّنا نحظى بالجنّة كما نحن تمامًا. كلّ ذلك بفضل يسوعَ المسيح. كلّ إنسان مُعمَّد ويؤمن بيسوع المسيح سوف يخلُص بالنعمة.

”فبنعمة الله نِلْتُمُ الخلاصَ بالإيمان، فما هذا منكم، بل هو هِبَةٌ منَ الله“ (أَفَسُس ٢: ٨)

يقول الكتاب المقدّس إِنّه لا بدّ من المعمودية والإيمان من أجل الخلاص. علينا ألّا نغفُل عمّا قاله الله عن ذلك، وإلّا سنكون في خطر استبعادنا عن نطاق عمله الخلاصيّ. لذلك، يجب أن نُعمِّد أولادَنا وأن نتعمّد نحن إنْ لم نتعمّد من قبلُ.

يحكي لنا الكتاب المقدّس أنّ بعض الناس كانوا قد نالوا الخلاصَ بدون المعمودية. في الجمعة الحزينة/العظيمة، قال يسوع المسيح للمُجرم الذي كان مصلوبًا بجانبه بأنّه سيكون معه في الفردوس. ومن المحتمل أنّ ذلك الرجلُ لم يكن معمَّدًا. الله يستطيع أن يعمل أيضًا بدون الوسائل والأدوات التي علينا استعمالها حسب قوله. إنّه قادر على منح الخلاص بدون المعمودية. ولكن هذا الاستثناء الإلهيّ لا يُجيز لنا تجاهلَ أمر المعمودية الذي تسلّمناه. نحن كمسيحيّين مقيّدون بتعاليم العهد الجديد: في المعمودية يُصبح المرءُ مسيحيًّا وأحدَ أبناء الله. في ما يتعلّق بطفل يموت وهو غير مُعمَّد، لنا أن نقول فقط إنّه بين يدي إلهنا الرؤوف.

”كلُّ مَن يؤْمنُ ويتعمَّدُ يخْلُصُ، ومَن لا يؤْمِنُ يهْلِكُ“ (إنجيل مرقس ١٦: ١٦)

أنت أيّها المهتمّ بشؤون الدين ولم تتعمّد بعد، قد تتساءل في ما إذا كان عليك أن تقوم بالمعموديّة. نعم! عليك القيام بذلك. اتّصل بالقِسّيس أو بمكتب الأبرشية في الكنيسة اللوثرية. هناك سيُرشدوك للتوجّه إلى مدرسة التثبيت. إذا كنتَ بعمر ١٥ عامًا تقريبًا يمكنك الاشتراك في مخيَّم التثبيت. برفقة القسّيس تستطيع مراجعة محتويات إيماننا الأساسية، وبعد ذلك من الممكن أن تتعمّد. ربّما تودّ أن تتعمّد، ولكن ذلك غير ممكن. قد تكون قاصرًا ووالداك لا يرغبان في المعمودية. من الممكن أنْ تؤمنَ بيسوعَ المسيح حتّى لو لم تكنْ مُعمَّدًا. إذهب إلى المعمودية حالَما تكون أنت صاحبَ القرار. ماذا في حالة وجود ابن لك لم يُعمَّد بعد؟ هل هذا الابن يجب أن يُعمَّد؟ - نعم! اتّصل بالقِسّيس أو بمكتب الأبرشية من أجل الإعداد للمعمودية.

”فقال لهم بطرسُ: توبوا وليتعمَّدْ كلُّ واحد منكم باسم يسوعَ المسيحِ، فتُغفرَ خطاياكُم ويُنْعمَ عليكم بالروح القُدُس. لأنّ لوعدَ لكم ولإولادكم ولجميع البعيدين، بقدر ما يدعو منهمُ الربُّ إلهُنا“ (أعمال الرُّسُل ٢: ٣٨-٣٩)

الكتاب المقدّس يُعلّمُنا أنّ المعمودية ينبغي ألّا تتجدّد، إذ لا حاجةَ لذلك. تتِمُّ المعمودية مرّةً وتبقى صالحة وساريةَ المفعول على الدوام، حتّى لو رفضنا اللهَ بعد إجراء المعمودية. يمكننا الرجوعُ دائمًا إلى الآب، أبينا وهو في انتظارنا. وعند عودتنا إلى الإيمان لا نحتاج لمعمودية من جديد.

على كلّ حال، هناك من يرغب في المعمودية مرّة ثانية، أو قد تعمَّد ثانيةً وهناك أيضا من يعمّدُ الناسَ ثانية. الكثير من أولائك الناس، قد يعتقدون أنّه إذا تعمَّد الشخصُ عندما كان طفلًا فتلك المعمودية ليست بحقيقية. هذا ادّعاء خطير، إنّّه قد يعني بأنّك لستَ معمّدًا وعليه لستَ مسيحيًّا. يقول البعضُ: إذا كان الشخصُ وقتَ المعمودية لا يعي ولا يُدرك أنّه/أنّها مُعمّد/ة، فهذا يعني أنّ المعمودية ليست حقيقية. ولكن يجب أن نتذكّر، أن المعمودية هي فعلُ الله وهذا الفعل لا يعتمدُ على مدى فهم الإنسان. نحن لم نفهم، في الواقع، ماذا حدث عندما مات يسوع المسيح على الصليب من أجلنا - إنّّنا حتّى لم نكن موجودين آنذاك! ولكن مع كلّ ذلك كان هذا عمل الله وخلاصنا.

وبالتالي لا ينبغي لنا تجديد المعمودية. والشخص الذي تعمّد ثانية قد ارتكب خطأ. ولا بدّ من الاعتراف بمثل هذه الأعمال الخاطئة أمامَ الله وطلب المغفرة. الله يغفِرُ لكل من يتوب إلى يسوع المسيح، الذي غفر عن كل خطايا الناس أجمعين.

”ولكم ربٌّ واحدٌ وإيمانٌ واحدٌ ومعموديّةٌ واحِدة“ (أُفْسُس ٤: ٥)

يحتفل المسيحيّون بالقربان المقدّس كما أمر يسوع المسيح. وفي هذا الاحتفال، تُتلى كلمات يسوع لتأدية هذا القربان المقدس. وهي مأخوذة من كتابات الكتاب المقدّس، حيث تصفُ ما جرى في أورشليمَ في الليلة الأخيرة قبل موت يسوعَ المسيح. في تلك الليلة، احتفل يسوعُ المسيح وتلاميذُه بالعَشاء السرّي، وطلب منهم الاستمرار في إقامة هذا الاحتفال.

وورد في كلمات القربان المقدس، أنّ الخبز الذي يتناوله المرء هو جسد يسوع المسيح، والخمر الذي يشرَبه هو دم العهد الجديد في دمه. في إنجيل البشير متّى قال يسوع أيضا إنّه دمُه. وهكذا فالجسد والدم حاضران في إقامة العشاء الربّاني. وهذا معناه أنّ يسوعَ المسيح موجود في الخبز وفي الخمر بشكل خاصّ جدًّا. نحن نلتقي به وهو يُلاقينا. عندما تفكّر في موضوع الاقتراب من يسوع المسيح، إذهب وتناولِ القربانَ المقدّس.

غالبًا ما قد تشعر بعد تناول القربان المقدّس بأنّك لا تُقابل في الحقيقة يسوع المسيح. ولكن أحاسيسنا لا تمنع يسوع المسيح من الاقتراب منّا. إنّه حيث قال إنه موجود، بغضّ النظر عمّا نشعر به. يسوع وعد بأنّه في القربان المقدّس - الخبز جسدُه والخمر دمُه.

”وبينما هم يأكلون، أخذ يسوعُ خبزًا وبارك وكسرَهُ وناول تلاميذَه وقال: خُذوا كُلوا، هذا هو جسدي. وأخذ كأسًا وشكر وناولهم وقال: إشْربوا منها كلُّكُم. هذا هو دمي، دم العهد الجديد الذي يُسفك من أجل أناسٍ كثيرين لغفران الخطايا“ (إنجيل متّى ٢٦: ٢٦-٢٨)

يُقدَّمُ القربانُ المقدّس للمسيحيّين المعمَّدين. في الكنيسة اللوثرية، كلُّ مَن أنهى دورة التثْبيت ونال التثبيت الدينيَّ يحِقُّ له تناول القربان المقدّس. هكذا يمكن التأكّدُ من أن المشارك في القربان المقدّس، يفهم ويُدرك ما معنى هذا القربان، والفرق بينه وبين الطعام والشراب العاديّين. كما أنّ ّالأولاد الذين تعلّموا هذا الأمر يستطيعون التناولَ برفقة الوالديْن أو العرّابين (الأشابين). وفي مقدور كلّ شخص آخرَ المجيء إلى جانب مذبح (هيكل) الكنيسة للتبرّك.

في بعض الأحيان قد يشعُر الإنسان بصعوبة ما في التوجّه إلى القربان المقدّس. قد يكون لدى الشخص شعور بأنّه غيرُ جدير بذلك، وعليه أوّلًا أن يكون أحسنَ وأقوى في الإيمان. هذا، في الواقع، ليس ما ينبغي أن يكون. إنّ القربانَ المقدّسَ ليس لأنّنا صالحون وطيّبو القلب وهو ليس مقتصرًا على أولائك الناجحين الموفّقين في الحياة. الصحيح هو بالعكس تمامًا! - القربان المقدس مُعدٌّ لكلّ من يحتاج إلى المغفرة. في القربان المقدّس، يرحَم الصديق الفادي، ويُبارك أولائك الذين فشِلوا في الحياة. إنّ القربان المقدّس مُتاحٌ ومُعَدٌّ لكل من بحاجة للمغفرة، إنّّه ليس لمن يظنّون بأنّهم ليسوا بحاجة ليسوع المسيح.

الكتاب المقدّس يحذِّرُنا من تلك الإمكانية التي فيها قد يأكل الإنسان جسدَ يسوع المسيح ويشرب دمَه، ويكون ذلك إدانة له وحُكمًا عليه. بعض الناس الذين وُجِّه إليهم هذا التحذيرُ في الأصل، دأبوا على تناول القربان المقدّس وهم غير عالمين بما هم فاعلون. أكلوا وشربوا، وبعضُهم ربّما كان ثملًا (سَكران) وأكل جسدَ يسوع المسيح، وشرب دمَه مع أمورٍ أخرى، بدون وعي أو تفكير. ويكتب بولس الرسول أنّ مَن يشارك في القُربان المقدّس بدون أن يفكّر ويعي بأن ذلك جسد يسوع المسيح ودمه، فإنّه سيأكل ويشرب لهلاكه ولعذاب النار. وكثيرًا ما فُهم هذا التحذير بأنّه يَحْرِمُ أولائك الناسَ غير الصالحين والذين لا إيمان قويًّا لديهم من القُربان المقدّس. ولكن هذا المعنى ليس صحيحًا.

”فأنتم كلّما أكلتم هذا الخبزَ وشربتم هذه الكأسَ تُخبِرون بموت الربِّ إلى أن يجيءَ“ (كورنثوس الأولى ١١: ٢٦)

في القربان المقدّس نحن نلتقي بيسوع المسيح، وهذا شيءٌ جيّد بالنسبة لنا من نواحٍ كثيرة. لفادينا رسالة واحدة بشكل خاصّ: إنّه يغفِر ويسامح. وهذا ما يقوم به يسوع المسيح في القربان المقدّس. إنّه يشارك بما ناله وربحه في موته على الصليب. في موته هذا، سوّى موضوع جميع خطايا الناس، وجلب المغفرة بقدر ما تحتاجُه الناس في أيّ وقت كان.

اللاهوتي والمصلح الألماني مارتن لوثر (١٤٨٣-١٥٤٦) عرف الكتابَ المقدّس إلى أبعد الحدود. وفي جوابه على السؤال: ما الفائدة من القربان المقدّس؟ قال: في هذا السرّ/القربان المقدس تُغتفر كلُّ خطايانا، نحصل على حياة وسعادة بالغة، إذ حيث تكون مغفرة الخطايا توجد الحياة والبركة والسعادة. كلّ مَن يؤمن بما يعِدُ الكتاب المقدّس، يأتي إلى القربان المقدّس ويتناول جسدَ يسوعَ المسيح ودمَه سيخْلُص. في القربان المقدس، كما يبشّر ويعِد الكتاب المقدس، يمنح يسوع المسيح المغفرة. قد يبدو هذا بسيطًا وسهلًا، لكن رحمة الله بسيطة، لا تعقيدَ فيها.

”ولكن مَن أكل جسدي وشرِب دمي فلهُ الحياةُ الأبديّة، وأنا أُقيمُه في اليوم الآخِر“ (إنجيل يوحنّا ٦: ٥٤)